الهواء العطن: أزمة التكدس والتهوية في أماكن الاحتجاز في مصر

Image
تقرير

يعاني المساجين في مصر من أزمة تهوية شديدة في أماكن الاحتجاز. حيث تسبب اكتظاظ السجون في عقاب المعتقلين السياسيين بحرمانهم من الموارد والاحتياجات الأساسية وسبل التهوية السليمة، ما أنتج صعوبات تنفس وأمراض مزمنة لأغلبية النزلاء. 

يحرم السجين منذ اعتقاله من مقتنياته وأدوات اتصاله بذويه، ويمر بمراحل تفتيش مرورًا ببوابات وأسوار السجن وصولًا إلى زنزانته، بحيث يصل لمقر احتجازه مسلوب الحرية والحركة وفي معزل عن الشأن العام، وحتى بمعزل عن الهواء الخارجي.

وثق مركز بلادي للحقوق والحريات شهادات معتقلين مفرج عنهم حديثًا وأقارب معتقلين حاليين بهدف تقييم وضع التهوية داخل مراكز الاحتجاز التابعة للحكومة المصرية، متزامنًا مع مخاوف وصول فيروس كورونا إلى السجون. وسعت مقابلتنا لجمع معلومات حديثة عن وضع البنية التحتية داخل مراكز الاحتجاز المصرية، وآثارها السلبية على صحة النزلاء. إضافة إلى 

تقييم فعالية الإجراءات الحكومية للتخفيف من أزمة التهوية، وكيفية تعامل السجناء معها.

ضاعفت أزمة فيروس كورونا من المخاطر الصحية على حياة السجناء نتيجة غياب سبل التهوية السليمة وارتفاع معدلات التكدس، والضغط الكبير على المرافق الأساسية مثل دورات المياه. في حين استمرت الحكومة المصرية بتجاهلها للنداءات الدولية والمحلية التى تطالب بالإفراج عن معتقلي الرأي وأصحاب التهم غير العنيفة.

واكتفت الإجراءات الرسمية بسلسلة من عمليات تعقيم وتحليلات العشوائية لبعض العنابر. وإصدار عفو رئاسي بمناسبة عيد الفطر يشمل ٣١٥٧ سجينًا، غاب عنهم المحبوسين على خلفية قضايا سياسية بينما ضم العفو متهمين بقضايا جنائية مثل محسن السكري ضابط أمن وطنى سابق ومتهم بقتل الفنانة سوزان تميم. 

كما غاب عن الإجراءات الحكومية الخطط الشاملة لمكافحة الفيروس في أماكن الاحتجاز في حالة انتشاره، ولم تتطرق لحل الأزمة الأساسية الممثلة في انهيار مرافق وبنية أماكن الاحتجاز بشكل لا يمكنها من استيعاب التكدس الهائل في أعداد النزلاء الحالي. 

رصد مركز بلادي احتجاز 122 طفل، و169 إمرأة، بالإضافة لآلاف من الرجال موزعين على مختلف أماكن الاحتجاز دون وجود أرقام رسمية بشأنهم، يعانون جميعًا من ظروف احتجاز غير آدمية. وذلك بالإضافة إلى استمرار السلطات في سياسة الإعتقال التعسفي بعد انتشار فيروس كورونا في مصر، معرضةً حياة الكثيرين للخطر من نزلاء جنائيين وسياسيين، والمخالطين لهم من الأهلي والعاملين بمصلحة السجون.


"قسم النزهة مفيش فيها تهوية خالص انا جالي الاسعاف هناك مرتين لان مكنتش بقدر آخد نفسي هناك من قلة التهوية والسجاير، لكنه أرحم من قسم الهرم. كنا 30 بنت في زنزانة مترين ونص" - سجينة سابقة في سجن القناطر


يحدد الصليب الأحمر معايير للتهوية المقبولة في السجون بألا يقل حجم النوافذ أو فتحات التهوية عن عشر مساحة مكان الاحتجاز وألا تقل مساحة الهواء المتاحة عن 3.5 متر مكعب للفرد الواحد. وتحددها الأمم المتحدة بأن تكون نسبة التهوية 4٪ من المساحة الإجمالية للغرفة. 

إلا أن الأوضاع داخل السجون المصرية تتعارض تمامًا مع التوصيات الدولية المتعلقة بالتهوية من ناحية جودة الهواء، ومصادر التهوية، و عدد النزلاء داخل العنابر. حيث اشارت الشهادات التي جمعناها إلى أن التكدس في بعض السجون يصل للدرجة التي يقف فيها النزلاء بالتناوب على قدم واحدة كي يتركون مساحة تكفي للآخرين النوم، ويضطر بعضهم للعيش في دورات المياه لضيق المساحة. 

تعد أماكن الاحتجاز الأولية، مثل أقسام الشرطة وإيراد السجن ومباني أمن الدولة، هي الأسوأ من حيث حدة التكدس وانعدام التهوية. حيث لم تصمم تلك الأماكن إقامات مطوّلة ولا تحتوي على قنوات للتنفس أو مساحات مفتوحة للتريض الدوري. 

وهذا ما أكدته شهادة سجين سابق في سجن الإستئناف عانى من ضيق التنفس و قلة الطعام، مشيرًا أنه قضى فترة احتجازه برفقة ١٥٠ شخصًا داخل غرفة لا تتسع لأكثر من ٥٠ شخصًا. في حين أشارت شهادة سجين سابق داخل مباني أمن الدولة إلى غياب الشبابيك و جميع وسائل التهوية داخل الزنازين.

تليها السجون باختلاف موقعها الجغرافي وتاريخ بنائها والغرض منها، حيث تتسم سجون الترحيلات والإقامات المؤقتة بصغر المساحات وغياب ساحات التريض والمياه النظيفة مثل سجن الاستئناف. بينما يغلب على السجون شديدة الحراسة الخرسانة المسلحة التي تحتفظ بالرطوبة والحرارة في الصيف وتتسم بالبرودة القارسة في الشتاء. 

اتجهت الدولة المصرية لبناء السجون من الخرسانة المسلحة بداية من التسعينات. كلها بمنافذ ضيقة، وبعضها بلا نوافذ على الإطلاق. وقامت بحفر بعض الزنازين تحت الأرض، كمقابر بشرية معزولة بالكامل. حيث يحرم النزلاء في هذه السجون من استنشاق هواء خالي من آثار الرطوبة ورائحة الصرف الصحي. وتكون أماكن الاحتجاز فيها مليئة بالحشرات وبلا أي فرص لتجدد الهواء، مثل سجون العقرب وأبو زعبل ودمو والكيلو عشرة ونص.

"في عيادة، بس محدش بيدخل غير لو بيموت" - سجينة سابقة في سجن دمنهور

يتسبب الحرمان من الهواء مع استحالة تطبيق التباعد الجسدي في انتشار الأمراض الجلدية والصدرية وأمراض العظام بين المساجين. رصدت مقابلاتنا انتشار الجرب في عنابر بالكامل، وحساسية الصدر والالتهابات الرئوية وضعف عضلة القلب وخشونة المفاصل لأفراد دخلوا السجون دون شكاوى صحية. بالإضافة لتكرّر حالات إغماء واختناق بين المساجين في أقسام الشرطة والسجون بسبب صعوبات التنفس وانتشار التدخين.

ويترافق سوء الاوضاع المعيشية والطبية داخل السجون بغياب شبه كامل للرعاية الصحية. حيث أكدت الشهادات على صعوبة الوصول إلى النقاط الطبية داخل السجون، واقتصار الخدمات الصحية فيها على تقديم المسكنات. في حين تمتنع إدارة السجون بتحويل بتحويل المرضى لعيادات خارجية، إلا في الحالات شديدة الخطورة وبتباطؤ متعمد من إدارة السجن، ما يؤدي لإهمال مفضي إلى الموت. 

وثقت منظمات حقوقية وفاة أكثر من 205 سجين داخل مراكز الاحتجاج الرسمية  خلال أشهر الصيف حتى عام 2015، أي ما يعادل 41.6% من إجمالي عدد المتوفين داخل السجون وقتها. وحملت المنظمات السلطات المصرية مسؤولية حالات الوفاة داخل السجون، والتي نسبته إلى ارتفاع درجات الحرارة، و انعدام الهواء الصالح للتنفس داخل العنابر، وغياب الإستجابة الطبية المناسبة من قبل السلطات الرسمية. وأشارت التقارير إلى أنه كان من الممكن إنقاذ حياة معظم حالات الوفاة في حالة تلقي الرعاية الطبية الملائمة مثل الوفيات نتيجة الإصابة بنزلات الانفلونزا الموسمية.

ولا تعير إدارة السجون الانتباه إلى ذوي الحالات الخاصة والأمراض المزمنة، فيعاني مرضى القلب والجهاز التنفسي من نوبات الاختناق الدائم دون استجابة من الإدارة لاستغاثة السجناء عن الحالات المتدهورة. أشارت إحدى النزيلات السابقات في سجن دمنهور أن الحالة الوحيدة التي استجابت لها الإدارة في فترة احتجازها كانت لحالة اختناق شديد نتيجة التهاب رئوي حاد، وبخلاف ذلك يضطر المرضى لاستخدام الأكياس البلاستيك كبدائل لأجهزة التنفس والتأقلم مع صعوبة الجو بخلع ملابسهم أو رشها بالماء، واستخدام الورق كأداة تهوية.

تمثل حالة الاكتظاظ الحالي خطورة على حياة وصحة السجناء في مصر. حيث يقف المحتجزين في مواجهة خطر فيروس كورونا دون سبل وقاية حقيقية، خاصة مع تسبب السجون في تدهور الحالة الصحية والمناعية لأغلبيتهم. في سياق ذلك يطالب مركز بلادي بما يلي:

 

  • الإفراج الفوري عن سجناء الرأي وأصحاب الجنح والتهم غير العنيفة لحل أزمة التكدس، ومنهم 122 طفل، و 169 امرأة محتجزين على خلفية قضايا سياسية.

  • العفو الصحى عن كافة المساجين الذين تخطوا سن الستين، أو أصحاب الأمراض المزمنة.

  • وقف حملات القبض العشوائي على المواطنين لما تسببه من ترويع للمواطنين ومجازفات بانتشار المرض في أقسام الشرطة ومنها إلى السجون.

  • إعادة توزيع المحتجزين بما يراعي حق كل سجين في المساحة حسب المعايير الدولية، والتي تتضمن الحق في مساحة هواء لا تقل عن 3.5 متر مكعب للفرد الواحد.

  • السماح للمنظمات الحقوقية المصرية والدولية بالتفتيش على كل المنشآت العقابية وتقييمها من حيث المساحات ونفاذ الهواء ودخول الشمس ومناطق التريض وتوافر كل معايير الحفاظ على صحة وحياة السجناء.

  • تزويد أماكن الاحتجاز بأجهزة التهوية اللازمة صيفًا وأغراض التدفئة اللازمة شتاءًا منعًا لتكرار حوادث الاختناق والإغماء من الحر، أو الموت من شدة البرد.

  • وضع محددات وقواعد للتدخين داخل أماكن الاحتجاز بما يراعي كبار السن والمرضى وغير المدخين وحقهم في الهواء الصحي.

  • وضع إجراءات محددة زمنية للنظر في طلبات الرعاية الطبية داخل السجون وإلحاق كل منطقة احتجاز بعيادة شاملة وسيارة إسعاف مجهزة للحالات الحرجة.

للاطلاع على الورقة : الهواء العطن: أزمة التكدس والتهوية في أماكن الاحتجاز في مصر

ملحقات